السيبرنطيقا Cybernetics والتغذية الراجعة

 أن مفهوم التغذية الراجعة (الفيدباك) قد جاء أصلاً من تكنولوجيا التنظيم Regulation Technology، أو ما يسمى بالسيبرنطيقا (علم التحكّم الآليCybernetics)، الذي يتصوّر الكائنات الحية والآلات على أنها أنظمة، تتّصل فيها العناصر الفردية بعضها مع البعض، ويسيطر ويؤثّر بعضها في البعض.

علماً أن مصطلح (السيبرنطيقا) قد انبثق أصلاً من المصطلح اليوناني (الكيبرنتيز Kybernetes، الذي يعني عامل الدّفةSteersman، أو الحاكِم Governor، أو الطيّار Pilot، أو الدفّةRudder، وهو المصدر ذاته لكلمة: الحكومة Government). كما يعدّ علم التحكّم الآلي أحد الحقول الواسعة من حقول المعرفة، لكن الهدف الأساس لهذا الحقل هو فهم وتحديد وظائف وعمليات الأنظمة. أما الدراسات الخاصة في هذا المجال فأنها تعدّ كلّها في نهاية المطاف وسيلة لدراسة الأشكال المختلفة للأنظمة وتطبيق ما هو معروف لجعل الأنظمة الاصطناعية، مثل إدارة الأعمال، أكثر كفاءة وفاعلية.

والسيبرنطيقا: مصطلح قام بصياغته رسمياً عالم الرياضيات الأمريكي الشهير نوربرت وينر Norbert Weiner (1894م–1964م)، الذي أدّت دراساته المتعدّدة عن أدوات السيطرة والحساب إلى صياغة مصطلح علم التحكّم الآلي (السيبرنطيقاCybernetics)، وكان ذلك في عام 1948م، ويعني: الدراسة النظرية لعمليات الاتصال والتحكّم في الأنظمة الحيوية البايولوجية، والميكانيكية، والإلكترونية، وخصوصاً الموازنة بين هذه العمليات في الأنظمة الحيوية.

والاصطناعية. أما السّيِبَرْنِيَّات: فهي العلم المتخصّص بعمليات التواصل والتحكّم في الحيوانات والآلات .

لقد قام (وينر) بتطوير الطرائق الإحصائية لكلّ من الارتباط التلقائي Autocorrelation، والتنبؤ Prediction، وفرز بيانات السلاسل الزمنية Timeoseries، وذلك لإعطاء وصف رياضّي لكل من الظواهر الحيوية Biological والفيزيائية Physical. إذ أن استعمال عملية الفرز لإزالة المعلومات غير المرغوب فيها، أو الضوضاء والضجيج من إشارة التغذية الراجعة، فأن ذلك يقلّد الانتقائية التي تظهرها الأنظمة الحيوية التي يمكن فيها استيعاب المعلومات غير الدقيقة الناجمة عن التنوّع في المجسّات، بحيث يبقى الوصول إلى الهدف ممكناً.

والسمات المميّزة لهذا المجال الواسع هو استعمال معلومات التغذية الراجعة لتكييف أو توجيه كينونة معيّنة نحو هدف معيّن. وعندما تصل إشارة التغذية الراجعة هذه بما فيه الكفاية لإحداث تغييرات

في تركيبة أو مَعالِم النظام نفسه، حينها يمكن أن تسمى بـالتنظيم الذاتي Selfoorganizing.

كما يمكن تطبيق مبادئ التغذية الراجعة على التنظيم الجسمي لبعض المتغيّرات مثل درجة الحرارة، أو ضغط الدّم، أو غيرها من العمليات الفسيولوجية الأخرى. وعلى الرغم من أن هذه المبادئ قد جاءت في الأساس من الهندسة، إلا أن الاستقرار الدينامكي للكائنات الحيّة عن طريق التغذية الراجعة غالباً ما يسمّى بالتوازن Homeostasis، الذي تَبِع صدور الكتاب الرائِد لـ (دبليو. بي. كانونW. B. Cannon) الذي كان تحت عنوان (حكمة الجسد The wisdom of the body)، وكان ذلك في عام (1932م). وفي تأريخ الهندسة، هنالك تلميحات لتلك المبادئ تعود إلى الأدوات اليونانيّة القديمة Ancient Greek devices، مثل مصابيح الزيت (اللمبّات) ذاتية التنظيم. ومن العصور الوسطى Middle Ages، فأن المراوح الذيليّة للطواحين الهوائية الدوّارة بالريح Windmills، التي تقوم بتوجيه الأشرعة بشكل مستمر نحو انحراف الريح، تعدّ من الأمثلة المبكّرة والمعروفة للتوجيه عن طريق التغذية الراجعة.

أما النظام الأكثر تطوّراً فيقوم بخفّض وزن حجارة الطحن العليا عند وقوع الريح، وذلك لإبقاء الطاحونة تعمل بشكل مثالي في الظروف المتغيّرة. ويمكن لأنظمة آلية المؤازرة Servo-systems التي تستعمل التغذية الراجعة، أن تجعل من الآلات شبيهةً بالحياة بشكل ملحوظ. ومن الجدير بالذكر إن أول أداة للتغذية الراجعة تمّ وصفها رياضياً كانت المتحكّم الدوّار Rotary governor، التي استعملها جيمس واط James Watt للحفاظ على معدّل المحركات البخارية Steam engines ليبقى ثابتاً، مع تفاوت الأحمال.

وفي أوائل القرن الحادي والعشرين الحالي، أصبح علم التحكّم الآلي (السيبرنطيقا) غالباً ما يُعرَف بعلم الأنظمة Systems science الذي يضمّ تشكيلة واسعة من الاهتمامات .

والتخصّصات البحثية Interdisciplinary، والعلوم التطبيقية التي امتدّت إلى أبعد من المدى الأصيل الذي وصل إليه (وينر) في بحوثه المختلفة، لتشمل بحوثاً متنوعة ضمن مختلف العوالم والحقول كما في الشبكات العصبية Neural networks، ونظرية اللاتكوّن (النظرية الهيولية) Chaos theory، والذكاء الاصطناعيArtificial intelligence، والنُظم الدينامكية Dynamical systems، وغيرها من الدراسات الأخرى التي تتعلّق بالأنظمة التكيفية المعقّدة. وسرعان ما أكتسب الحقل وحدته وذلك عن طريق التأكيد على الترابطات والتفاعلات بين الأجزاء المختلفة للنظام، خلافاً للمنهج التحليلي التقليدي الذي ركّز على فهم الأنظمة عن طريق تجزئتها إلى الأجزاء المكوّنة لها.

أما أحدث تعريف للسيبرنطيقا (علم التحكّم الآلي) فهو التعريف الذي اقترحه لويس كوفمان Louis Kauffman، رئيس الجمعية الأمريكية للسيبرنطيقا American Society for Cybernetics، (ينظر الشكل 2–2)، الذي مفاده أن السيبرنطيقا: “هو دراسة النُظم والعمليات التي تتفاعل مع نفسها وتنتج نفسها من نفسها”(Answers, 2008).

أما المفاهيم التي دَرَسَها علماء السيبرنطيقا، فتتضمن، لكنها لا تقتصر على: التعلّم، والإدراك، والتكيّف، والسيطرة الاجتماعية، والانبثاق Emergence، والاتصال، والكفاءة، والفاعلية، والترابط. علماً أن هذه المفاهيم قد تناولتها فروع أخرى مثل الهندسة وعلم الأحياء وغيرها.

لكن في علم التحكّم الآلي فأن هذه المفاهيم قد أزيلت من سياق الكائن الحي الفردي أو الأداة.إن مجالات الدراسة الأخرى التي تأثرت بالسيبرنطيقا، وأثّرت فيها الأخيرة، فتتضمن نظرية اللّعب Game theory؛ ونظرية النظام System theory (النظير الرياضي لعلم التحكّم الآلي)؛ وعلم النفس، لاسيما علم النفس العصبي Neuropsychology، وعلم النفس السلوكي Behavioral Psychology، وعلم النفس المعرفي Cognitive Psychology؛ وأخيراً وليس آخراً الفلسفة.

التقسيمات الفرعية للسيبرنطيقا:

على الرغم من أن علم التحكّم الآلي هو تعبير عام، ممعن في القدم، لكنه ما زال يستعمل في العديد من الموضوعات والمواد البحثية. وتمتدّ هذه الموضوعات بدورها أيضاً إلى العديد من المساحات الواسعة الأخرى الكثيرة من العلم، لكنها متّحدة في دراستها لنظم التحكّم المختلفة. وتعدّ (السيبرنطيقا الصِرفة) إحدى التقسيمات الفرعية للسيبرنطيقا، التي يمكن إيجازها كما يأتي:

السيبرنطيقا الصِرفة Pure Cybernetics:

تحاول نظم التحكّم والسيطرة للدراسات الخاصة بعلم التحكّم الآلي الصِرف، بوصفها مفهوماً، باكتشاف المبادئ الأساسية التي تندرج تحت الأمور الآتية:

  • -الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence.
  • -نظم التحكّم والسيطرة Control Systems.
  • -الانبثاق/الظهور Emergence.
  • -منظمة التعلّم Learning organization.
  • -السيبرنطيقا الجديدة New Cybernetics.
  • -السيبرنطيقا الطلب الثاني Second-order Cybernetics.
  • -نظرية التفاعلات بين الممثلين (الجهات الفاعلة) Interaction of Actors Theory.
  • -نظرية المحادثة Conversation Theory.

RITA

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Next Post

أنواع البيوفيدباك Types of Biofeedback

السبت أغسطس 3 , 2019
قد يستعمل المختص أو معالج (البيوفيدباك) العديد من التقنيات والأجهزة المختلفة لجمع المعلومات عن استجابات وأنظمة الجسم، فضلاً عن المؤشرات أو المَعالِم الفسيولوجيةPhysiological Parameters المراد قياسها. ويعتمد تحديد أيهما أكثر فائدة بالنسبة لك، على مشكلات وأهداف صحتك الخاصة، فضلاً عن الأهمية النفسية الفسيولوجية لنتائج القياس. ولهذا سنورد هنا أهم أنواع (البيوفيدباك). فبقدر […]